الشيخ محمد الخضري بك
123
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
حملت خيّالة المشركين على المسلمين ثلاث مرّات وفي كلّها ينضحهم المسلمون بالنبل فيتقهقرون . ولما التقت الصفوف ، وحميت الحرب ابتدأ نساء المشركين يضربن بالدفوف ، وينشدن الأشعار تهييجا لعواطف الرجال ، وكان عليه الصلاة والسلام كلما سمع نشيد النساء يقول : « اللهم بك أحول وبك أصول وفيك أقاتل « 1 » ، حسبي اللّه ونعم الوكيل » . وفي هذه المعمة قتل حمزة بن عبد المطلب عم رسول اللّه سيّد الشهداء ، غافله وحشي « 2 » وهو يجول في الصفوف وضربه بحربة لم تخطىء ثنايا بطنه . هذا ، ولما قتل حملة اللواء من المشركين ، ولم يقدر أحد على الدنو منه ولّوا الأدبار ونساؤهم يبكين ويولولن ، وتبعهم المسلمون يجمعون الغنائم والأسلاب ، فلمّا رأى ذلك الرماة الذين يحمون ظهور المسلمون فوق الجبل ، قالوا : ما لنا في الوقوف من حاجة ، ونسوا أمر السيد الحكيم صلّى اللّه عليه وسلّم ، فذكّرهم رئيسهم به فلم يلتفتوا وانطلقوا ينتهبون . أما رئيسهم فثبت وثبت معه قليل منهم ، فلمّا رأى خالد بن الوليد أحد رؤساء المشركين خلوّ الجبل من الرماة انطلق ببعض الجيش ، فقتل من ثبت من الرماة ، وأتى المسلمين من ورائهم وهم مشتغلون بدنياهم ، فلمّا رأوا ذلك البلاء دهشوا وتركوا ما بأيديهم ، وانتقضت صفوفهم ، واختلطوا من غير شعور ، حتى صار يضرب بعضهم بعضا ، ورفعت إحدى نساء المشركين « 3 » . اللواء فاجتمعوا حوله ، وكان من المشركين رجل يقال له ابن قمئة قتل مصعب بن عمير صاحب اللواء ، وأشاع أن محمّدا قد قتل ، فدخل الفشل في المسلمين حتى قال بعضهم : علام نقاتل إذا كان محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم قد قتل ؟ فارجعوا إلى قومكم يؤمّنوكم ، وقال جماعة : إذا كان محمّد قد قتل ، فقاتلوا عن دينكم ، وكان نتيجة هذا الفشل أن انهزم جماعة من المسلمين من بينهم الوليد بن عقبة ، وخارجة
--> ( 1 ) رواه أبو داود - واللفظ له - والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي : حسن غريب بلفظ اللهم أنت عضدي ونصيري ، بك أحول ، وبك أصول ، وبك أقاتل ( 2 ) المشهور أن وحشيا هو الذي قتل حمزة لما روى ابن إسحاق عن عبد اللّه بن عمر وكذلك روى البخاري عن ابن عمرو بن أمية الضمري ، ووحشي هو ابن حرب الحبشي من سودان مكة مولى لطعيمة بن عدي ، ويقال مولى جبير بن مطعم بن عدي كذا قال ابن إسحاق ، وكان يكنى أبا دسمة ثم أسلم بعد أخذ الطائف وشهد اليمامة ، وقتل مسيلمة الكذاب بحربته التي قتل بها حمزة ، ثم سكن حمص . ( 3 ) عمرة بنت علقمة .